ابن كثير

348

البداية والنهاية

طاعتك ولكن بثأر كان لي عنده ( 1 ) ، وكان قد ولي له عملا قبل ذلك فعزله عنه وأهانه . قالوا : ولما وضع رأس مصعب بين يدي عبد الملك قال عبد الملك : لقد كان بيني وبين مصعب صحبة قديمة ، وكان من أحب الناس إلي ، ولكن هذا الملك عقيم ، وقال : لما تفرق عن مصعب جموعه قال له ابنه عيسى : لو اعتصمت ببعض القلاع وكاتبت من بعد عنك مثل المهلب بن أبي صفرة وغيره فقدموا عليك ، فإذا اجتمع لك ما تريد منهم لقيت القوم ، فإنك قد ضعفت جدا . فلم يرد عليه جوابا ، ثم ذكر ما جرى للحسين بن علي وكيف قتل كريما ولم يلق بيده ، ولم يجد من أهل العراق وفاء ، وكذلك أبوه وأخوه ، ونحن ما وجدنا لهم وفاء ، ثم انهزم أصحابه وبقي في قليل من خواصه ، ومال الجميع إلى عبد الملك ، وقد كان عبد الملك يحب مصعبا حبا شديدا ، وكان خليلا له قبل الخلافة ، فقال لأخيه محمد : اذهب إليه فأمنه ، فجاءه فقال له : يا مصعب قد أمنك ابن عمك على نفسك وولدك ومالك وأهلك ، فاذهب حيث شئت من البلاد ، ولو أراد بك غير ذلك لكان [ أنزله بك ، فأنشدك الله في نفسك ] ( 2 ) ، فقال مصعب : قضي الامر ، إن مثلي لا ينصرف عن مثل هذا الموقف إلا غالبا أو مغلوبا ، فتقدم ابنه عيسى فقاتل ، فقال محمد بن مروان : يا بن أخي لا تقتل نفسك . ثم ذكر من قوله ما تقدم ، ثم قاتل حتى قتل رحمه الله ، ثم ذكر من قتل منهم بعده كما تقدم ، قال : ولما وضع رأس مصعب بين يدي عبد الملك بكى وقال : والله ما كنت أقدر أن أصبر عليه ساعة واحدة من حبي له حتى دخل السيف بيننا ، ولكن الملك عقيم . ولقد كانت المحبة والحرمة بيننا قديمة ، متى تلد النساء مثل مصعب ؟ ثم أمر بمواراته ودفنه هو وابنه وإبراهيم بن الأشتر في قبور بمسكن بالقرب من الكوفة . قال المدائني : وكان مقتل مصعب بن الزبير يوم الثلاثاء ( 3 ) الثالث عشر من جمادى الأولى أو الآخرة من سنة إحدى وسبعين في قول الجمهور وقال المدائني : سنة ثنتين وسبعين والله أعلم . قالوا : ولما قتل عبد الملك مصعبا ارتحل إلى الكوفة فنزل النخيلة فوفدت عليه الوفود من رؤساء القبائل وسادات العرب ، وجعل يخاطبهم بفصاحة وبلاغة واستشهاد بأشعار حسنة ، وبايعه أهل العراق وفرق العمالات في الناس ، وولى الكوفة قطن بن عبد الله الحري أربعين يوما ،

--> ( 1 ) في ابن الأثير 4 / 328 : ضربه ابن ظبيان فقتله ، وفي ابن الأعثم 6 / 267 : حمل عليه عبيد الله بن زياد بن ظبيان التميمي فطعنه طعنة نكسه عن فرسه ثم نزل رجل من أهل الشام إلى مصعب فاحتز رأسه ( وفي الإمامة والسياسة 2 / 29 فجاء غلام لعبيد الله بن ظبيان فضرب مصعبا بالسيف فقتله ) . وفي الطبري 7 / 186 : طعنه زائدة ونزل إليه عبيد الله بن زياد بن ظبيان فاحتز رأسه وقال : إنه قتل أخي النابئ بن زياد . وانظر تاريخ الاسلام للذهبي 3 / 110 والاخبار الطوال ص 313 . ومروج الذهب 3 / 129 . ( 2 ) من مروج الذهب 3 / 128 . ( 3 ) في الاخبار الطوال ص 313 : يوم الخميس للنصف من جمادى الأولى سنة 72 ( وانظر مروج الذهب 3 / 129 )